ابن قيم الجوزية

308

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

لمفسدة فيه معلومة ، ويبيح سكرا مفسدته أضعاف أضعاف مفسدة الشراب ؟ حاشا أحكم الحاكمين . فإن نازعوا في سكر السماع ، وتأثيره في العقول والأرواح : خرجوا عن الذوق والحس . وظهرت مكابرة القوم . فكيف يحمي الطبيب المريض عما يشوش عليه صحته . ويبيح له ما فيه أعظم السقم ؟ والمنصف يعلم أنه لا نسبة بين سقم الأرواح بسكر الشراب ، وسقمها بسكر السماع . وكلامنا مع واجد لا فاقد ، فهو المقصود بالخطاب . وأعجب من هذا : استدلالكم على إباحة السماع - المركب مما ذكرنا من الهيئة الاجتماعية - بغناء بنتين صغيرتين دون البلوغ ، عند امرأة صبية في يوم عيد وفرح ، بأبيات من أبيات العرب ، في وصف الشجاعة والحروب ، ومكارم الأخلاق والشيم . فأين هذا من هذا ؟ . والعجب أن هذا الحديث من أكبر الحجج عليهم . فإن الصدّيق الأكبر رضي اللّه عنه سمى ذلك « مزمارا من مزامير الشيطان » وأقره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على هذه التسمية . ورخص فيه لجويريتين غير مكلفتين ، ولا مفسدة في إنشادهما . ولا استماعهما . أفيدل هذا على إباحة ما تعملونه وتعلمونه من السماع المشتمل على ما لا يخفى ؟ فيا سبحان اللّه ! كيف ضلت العقول والأفهام ؟ . وأعجب من هذا كله : الاستدلال على إباحته بما سمعه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الحداء المشتمل على الحق والتوحيد ؟ ! وهل حرم أحد مطلق الشعر ، وقوله واستماعه ؟ فكم في هذا التعلق ببيوت العنكبوت ؟ . وأعجب من هذا : الاستدلال على إباحته بإباحة أصوات الطيور اللذيذة . وهل هذا إلا من جنس قياس الذين قالوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [ البقرة : 275 ] وأين أصوات الطيور إلى نغمات الغيد الحسان ، والأوتار والعيدان ، وأصوات أشباه النساء من المردان ، والغناء بما يحدو الأرواح والقلوب ، إلى مواصلة كل محبوبة ومحبوب ؟ وأين الفتنة بهذا إلى الفتنة بصوت القمري والبلبل والهزار ونحوها ؟ . بل نقول : لو كانا سواء لكان اتخاذ هذا السماع قربة وطاعة تستنزل به المعارف والأذواق والمواجيد ، وتحرك به الأحوال بمنزلة التقرب إلى اللّه بأصوات الطيور ، ومعاذ اللّه أن يكونا سواء . * * * والذي يفصل النزاع في حكم هذه المسألة : ثلاث قواعد من أهم قواعد الإيمان والسلوك . فمن لم يبن عليها فبناؤه على شفا جرف هار . القاعدة الأولى : إن الذوق والحال والوجد : هل هو حاكم أو محكوم عليه ، فيحكم عليه بحاكم آخر ، ويتحاكم إليه ؟ . فهذا منشأ ضلال من ضل من المفسدين لطريق القوم الصحيحة « 1 » ، حيث جعلوه حاكما ،

--> ( 1 ) ومتى كانت كذلك ؟ يوم جاءت وافدة من الهند والفرس والنصارى ؟ وهل الصحة الحقة . والقوة والعافية -